>> دليلك نيوز >> مقـالات و آراء

من قتلَ الوطنَ العربي؟

بقلم /سامي كليب*    21/11/2020بتاريخ :   المصدر:خمس نجوم

يكفي أن نلقي نظرة خاطفة على التاريخ لنفهم:

ديسمبر 1991 أُعلن رسميا عن تفكك الاتحاد السوفياتي. قبله بشهرين سيق العرب الى مؤتمر مدريد للسلام ضعفاء ومشتتين، فذهب الجميع من الممانعين والمعتدلين لإدراكهم بأن العالم بات تحت الأحادية الأميركية ومن لا يركب القطار سيُعاقب.

فبراير 1990 ارتكب الرئيس صدّام حسين خطيئة غزو الكويت بعدما فهم الإشارات الامريكية خطأ او وقع في الفخ، معتقدا انه بالقوة سيحصل على المال الكويتي لتعويض خسائر الحرب مع إيران. بدأ مُذّاك مشروع تفكيك الجيش العراقي وحزب البعث.

أواخر 1991 وبداية 1992 الغيت نتائج الانتخابات في الجزائر التي اكتسحتها الجبهة الإسلامية للإنقاذ وغرقت البلاد بعشر سنوات من الحرب. تم اشغال الجزائر بما سُميّت العشرية السوداء، وكانت دول غربية تدعم الإسلاميين سرا وبينها فرنسا.

عام 1993 فتحت اتفاقيات أوسلو الفلسطينية الإسرائيلية الباب للشروع في التطبيع العربي الإسرائيلي من الأردن الى موريتانيا مرورا بقطر وتونس والمغرب وذلك عبر علاقات دبلوماسية او تجارية

عام 1996 العدوان الإسرائيلي على لبنان " عناقيد الغضب" وارتكاب مجازر طالت حتى من لجأوا الى مقر الأمم المتحدة، حيث قام الطيران الإسرائيلي بنحو 1100 غارة.

عام 1999 أميركا ترعى في شيبردستاون مفاوضات سورية إسرائيلية، تليها قمة الرئيسين الأميركي بيل كلينتون والسوري حافظ الأسد عام 2000 في جنيف لكنها فشلت.

عام 2000 اقتحام آرييل شارون لحرم المسجد الاقصى، ثم انتفاضة الأقصى الفلسطينية 2001. وذلك بعيد وفاة الرئيس حافظ الأسد وتولي ابنه بشار الأسد السلطة في أجواء معقّدة داخل وخارج سوريا.

التاريخ المفصلي كان في 11 سبتمبر 2001 مع الاعتداءات الإرهابية على برجي التجارة في نيويورك. فرغم أن العراق وسوريا لم يكونا من ضمن المهاجمين او المؤيدين، الا ان الغضب الأميركي ذهب صوبهما، في حرب ممنهجة بحيث اجتيح العراق عام 2003 بناء على ذريعتي " أسلحة الدار الشامل وتعامل صدام حسين مع القاعدة" واللتين اعترف المسؤولون الاميركيون والبريطانيون لاحقا بعدم صحتهما، وذهب وزير الخارجية الأميركية كولن بأول في العام نفسه الى دمشق يُحذّر الرئيس بشار الأسد ويغريه، بحيث لو طرد التنظيمات الفلسطينية وقطع العلاقة مع ايران وحزب الله يُصبح الشريك الأهم لأميركا في الشرق الأوسط، ولو مانع فمصير سوريا سيكون كما العراق.

عام 2003 أدرك العقيد الليبي معمر القذافي أن الهامش يضيق، فاعترف بمسؤولية ليبيا عن تفجير طائرة لوكربي عام 1988 ودفع تعويضات لأهالي الضحايا رغم انه كان يقول انه دفع رغما عنه وان ليبيا ليست مسؤولة ولكن كان ذلك ضروريا للعودة الى الاسرة الدولية.

عام 2003 أيضا وأيضا، وفيما كانت الحرب الضروس بين شمال السودان وجنوبه مستمرة، اندلعت فجأة حرب جديدة في دارفور حيث أعلن المتمردون الثورة ضد حكم عمر حسن البشير.

عام 2004 صدور القرار 1559 لسحب الجيش السوري من لبنان، وفي العام 2005 اغتيال رئيس وزراء لبنان الشهيد رفيق الحريري. ثم كانت الحرب الضروس والمفصلية بين لبنان وإسرائيل عام 2006 وفشلت إسرائيل في تحقيق أي من أهدافها واعترفت في تقريرها الإسرائيلي " فينوغراد" بالهزيمة.

في العام 2008 تجددت المفاوضات الإسرائيلية السورية برعاية تركيا. وفشلت أيضا للأسباب نفسها أي عدم قبول إسرائيل بالتخلي عن كل الجولان السوري المحتل.

2011 بدأ ما اطلق عليه اسم "الربيع العربي"...

ماذا نُلاحظ من كل تلك التواريخ التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفياتي؟
نلاحظ أولا ، ان استهداف كل من لبنان والجزائر والعراق وسورية وليبيا والسودان( وهي كلها دعمت بقوة الكفاح الفلسطيني السياسي والمسلح ضد إسرائيل) ، جاء في لحظة الاحتكار الأميركي للقرار الدولي، وغياب أي منافس حقيقي آخر، سوى بالاقتصاد حيث برزت الصين كقوة منافسة بنعومة وشراسة في آن.

نلاحظ ثانيا انه منذ اجتياح العراق، مرورا باغتيال الحريري، وصولا الى الربيع العربي، أطل ّ بقوة شبح " الفتنة الشيعية- السنية" مترافقا مع توجيه الأنظار العالمية صوب التطرف الإسلامي والإرهاب كعدوين أساسيين في المنطقة، وتخلل ذلك رفع شعار " محور الشر" الذي يضم وفق الترتيب الأميركي إيران وكوريا الشمالية وسورية.

نلاحظ ثالثا، أنه طيلة هذه السنوات التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفياتي، انهارت الاستراتيجيات العربية ( التي كانت بالأصل هشّة)، وغابت كل المشاريع السياسية، والخطط التي كان ينبغي استنباطها للتكيف مع الواقع العالمي الجديد. وانقسم العرب بين محورين، أولهما ينشد " الاعتدال" والثاني يؤيد القتال.

وفيما كانت إسرائيل تطوّر على نحو واسع علومها (4,7 بالمئة من مجمل الناتج العملي العالمي مقابل 0,02 بالمئة للعرب) ومجالاتها التكنولوجية (حيث ستسيطر قريبا على 10بالمئة من السايبرنت العالمي مقابل لا شيء للعرب)، كان معظم المال العربي يصب في الخزائن الأميركية لشراء السلاح (الذي ارتفع شراؤه عند بعض الدول العربية منذ بداية الربيع بنسبة 300 بالمئة وفق تقرير سيبري وبقيت أميركا أكبر مصدر للسلاح العالمي).

مع ظهور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقوة على المسرح العالمي، وإبراز الصين مخالبها السياسية بعد اختراقاتها الاقتصادية والتكنولوجية الهائلة، وتمدد إيران وتركيا على الساحة العربية، ضاع العربُ فعليا وازداد انقسامهم وانغلاق كل دولة على ذاتها. حصل الانخراط الجديد في عملية التطبيع بعد صفقة القرن، وهنا أيضا على مستويات فردية دون أي استراتيجية عربية موحدة لمعرفة هل ان التطبيع سيفيد فعلا أكثر من التمسك بالقطيعة ام لا.

لا تُلام الدول العالمية والإقليمية على ما تفعله، فهي تبحث عن مصالحها، لكن انتقال الدول العربية من مراحل انعدام الديمقراطية والحريات (في معظمها) وتفشي الفساد والتكلّس السياسي والبطش الأمني، الى ضبابية الربيع العربي، وأتون التنافس الدولي الذي سيزداد شراسة في السنوات المقبلة على مصادر الثروة بسبب الانهيارات الاقتصادية التي تسببت بها جائحة كورونا، يحق لأي عربي حريص على وطنه الكبير من بيروت حتى طنجة، ومن القدس حتى نواكشوط، أن يسأل هل انتهى الوطن العربي؟ وإذا لا، فما هي الاستراتيجية القادرة بعد على إنقاذه؟

الامية في الوطن العربي تطال اليوم أكثر من 100 مليون عربي، والبطالة تضرب نصف الشباب، والفقر يصل في بعض الدول الى أكثر من 70 بالمئة من الناس، وانعدام الأمن المائي يقارب نصف المعدّل العالمي، حيث ذكر تقرير الأمم المتحدة أن متوسط معدل توافر المياه السنوي في العالم العربي يهبط الى 460 مترا مكعبا للفرد، أي الى ما يقارب نسبة الفقر المائي التي تصل الى 500 متر مكعب.

الواقع انه في مستقبل التكنولوجيا العالمي، ومع تراجع أهمية النفط العربي، ووسط شراسة التنافس العالمي والإقليمي على الثروات ومعابر وانابيب النفط والتجارة، سقط الوطن العربي الكبير في الفخ الذي كان قادته من بين مهندسي هذا الفخ، وكل المبادرات الأحادية لن تجدي نفعا.
لا بد ان يقرر العرب في هذه المرحلة بالضبط، هل هم امة قابلة للقيام مجددا ام أنهم امة في طور الانقراض. فليس الآخر هو المسؤول وانما العرب أنفسهم. يجب التقليل من الخطابات ووضع استراتيجيات فعلية وخطط للمستقبل تعتمد على التكامل بدل التشتت، وعلى العلم والتكنولوجيا والصناعات الزراعية والسياحة بدل الاقتصاد الريعي ، وعلى التقارب بدل الفتن، والاعتماد على الذات بدل الآخر، وعلى التحاور مع العالم شرقا وغربا بدل التمترس خلف المحاور التي تنهش من لحم الجسد العربي ( ذلك ان الوطن العربي وكما تشير الجغرافيا هو جسر بين الشمال والجنوب)، ثم الاعتماد خصوصا على الكرامة المستندة الى التنمية المستدامة الحقيقية والحريات والثوابت العربية بالأرض واللغة والتاريخ والجغرافيا بدل التذلل، هذا اذا كان ثمة ضمير عربي ما زال صاحيا.

* الكاتب
سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

                                                طباعة الصفحة
 
  أخبار في الجولان   الجولان في الأخبار   بأقلام جولانيه
  تقارير   مجتمع   مقـالات و آراء
  مقالات اعلانية   صحة وطب   اكتشافات وتكنولوجبا
  فن وادب   رأي دليلك   سياحة وسفر
  زهور واعدة   رياضة   دوري الجولان2010
  زاوية أم محمود   حكاية المثل الشعبي   ريبوتاج دليلك
  زاوية أحبائنا الصغار   من مساهمات الزوار   سياسة