>> دليلك نيوز >> مقـالات و آراء

كورونا: الحذر من الأصدقاء والأحباء

بقلم /سهيل كيوان    12/03/2020بتاريخ :   المصدر:عرب ٤٨

في الأزمات الكبيرة والمآزق الوجودية، تجد الغيبيات تربتها الخصبة في تفكير الناس وتفسيراتهم لما يحدث من حولهم، سواء لظاهرة طبيعية مجهولة التفسير، أو لأحداث تمس مجرى وسير حيواتهم.

إلى جانب هذا، هناك جهات سياسية تستثمر هذه الغيبيات فتشجعها، بل وقد تساعد على انتشارها، سواء لتخدير الناس ودفعهم إلى الاستسلام وعدم الاجتهاد في مواجهة واقع ما، أو لتحفيزهم واستنهاض هممهم لاستثمار الظرف سياسيًا أو اقتصاديًا وحتى عسكريًا.



منذ شهرين تعيش البشرية على أعتاب مرحلة حرِجة، صارت تبدو على وشك فقدان السيطرة على انتشار فيروس كوفيد-19 (كورونا المستجد)، فقد تجاوز حدود الدول والأمم، فلم يعد أي مكان على وجه الكرة الأرضية آمنا، ومن ثم الاضطرار إلى حجر الملايين من أبناء البشر، والأعداد في تزايد، وهذا يعني أن المرض قد يتحول إلى وباء عالمي، وقد يحصد الملايين، ما لم يُكتشف المصل المضاد له قبل فوات الأوان، وبكميات تكفي كل المناطق التي انتشر فيها.

بعض الغيبيات التي ظهرت تحدثت عن ثأر إلهي من الصينيين لظلمهم مسلمي الإيغور، إلا أن الفيروس لم ولن يتوقف في الصين، ولا غيرها، وهناك من تحدثوا عن مؤرخ كتب عن هذا الوباء قبل مئات السنين، بأنه سيحدث عن وصول العام المكون من الرقمين 20 - 20، إلا أنه في عصر الشبكة العنكبوتية ومحركات البحث بإمكان كل واحد أن يفحص اسم الكاتب وكتابه، ليتبين أنها محض خرافات، فلا وجود للكاتب ولا للكتاب ولا لنص يؤكد صحة هذه المقولات. وهي تشبه المقولات الغيبية التي تحدثت عن صدام في حرب الخليج، وعن الرملة البيضاء في حصار بيروت عام 1982 في كتاب الجفر الذي يختفي ثم يعود، لينتشر من جديد خلال الأزمات والحروب.



مقابل الغيبيات التي حاولت تفسير الظواهر الطبيعية وأحوال البشر عبر التاريخ، وأهمها ما وصلنا من الآلهة المقيمة في جبل الأولمب التي اخترعها الإغريق وآمنوا بها، نشأت الفلسفة التي حاولت تفسير الظواهر الكونية بالفكر - العقل والمنطق، إلا أن الفلسفة تراجعت مع ازدهار العالم الاستهلاكي وإنتاج البضائع واستهلاكها، وبات رفع مستوى المعيشة الشغل الشاغل للناس وهدفهم السامي، حتى ولو كان على حساب قيمة العدل، بل وبات العالم محكومًا لعصابات وصلت إلى السلطة، فصارت تمارس الابتزاز وفرض الخاوة وتنتهك الضعفاء وحقهم في الحياة والحرية.

في الوقت ذاته، مع تطوّر العلم والاكتشافات الكونية، يصوّر العلماء بالأرقام والإحصاءات الدقيقة أن حجم الكرة الأرضية وموقعها من الكون، لنكتشف أنها عبارة عن ذرة غبار، أو جناح بعوضة، نعيش فيه.

فإذا كانت الكرة الأرضية تساوي ذرة غبار في كون يحوي مليارات المليارات من حبات الغبار، التي يبلغ حجم بعضها ملايين المرات من حبة الغبار التي نعيش فيها، فماذا يعني الفرد الواحد منا على ذرة الغبار وما هو العمق الفكري والحقائق التي ممكن أن نصل إليها في هذا الكون، وماذا يعني رضاك وغضبك وتكتيكك السياسي، وماذا يعني خلافك مع جارك على موقف سيارة؟



في الوقت ذاته، فإن للفيروس الذي لا يرى إلا بالمجهر عالمه الواسع، فيروس كوفيد-19 (كورونا) يُعتبر كبير الحجم مقارنة بأشقائه من الفيروسات الأخرى، وهو يطوّر مناعته أمام الأمصال الجديدة، ويكافح لأجل استمراره، حتى تبدو محاولاته كمغامرة، وها هو يفرك أنف الإنسان، المخلوق الأقوى على الأرض، ويظهر مدى ضعفه، هذا الإنسان الذي يقتل أخاه الإنسان ويضطهده ويحاصره ويتسبب بموت ملايين البشر جوعًا أو قتلا في الحروب بسبب طمعه، ها هو الفيروس يمرغ أنف دول عريقة وعظيمة ويرغم ملايين البشر على الانعزال، بل ويتحكم في تصرفاتهم، فيمنع مئات الملايين من مصافحة بعضهم بعضًا، والحذر من الأصدقاء والأحباء بشكل خاص.

في الخطر العام تظهر تفاهة العنصرية العرقية والقومية والدينية والجنسية. الأزمات الكبيرة تعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي في هذا الكون. تعيده إلى إنسانيته التي أضاعها في طريقه نحو تحقيق الرخاء والقوة والتفوق.

لعل الوباء فرصة للتأمل في علاقاتنا مع أنفسنا أولا، كي ننطلق من قاعدة صلبة وحقيقية إلى حياتنا وتحقيق طموحاتنا دون إيذاء الآخرين، وعلاقتنا مع أبناء أسرنا ومع الآخرين، مع أبناء شعبنا ومع شعوب أخرى قريبة وبعيدة عنا، لا وجود لكائن أو كيان قويٍ على الكرة الأرضية، سواء كان دولة أو فردًا، والأصفر كالأبيض والأسمر، وإذا وجدت هذه القوة النسبية فهي مؤقتة جدًا.

قيل الكثير عن نهاية العالم بأنها قد تكون نتيجة نيزك كبير يضرب الكرة الأرضية فينهي الحياة عليها، وقيل الكثير عن ظواهر طبيعية مثل التقاء الشمس بالقمر أو ذوبان القطبين وغمر الأرض بالماء، أو بأمطار لا تتوقف، أو بشمس حارقة ودرجة حرارة مرتفعة، ولكن يبدو أن الأمر أكثر بساطة مما تكهن البشر حتى الآن، إنه فيروس لا تراه العين سواء هذا أو آخر قد يأتي في يوم ما من بعده، يهدم ما بنته البشرية عبر مئات آلاف السنين.

                                                طباعة الصفحة
 
  أخبار في الجولان   الجولان في الأخبار   بأقلام جولانيه
  تقارير   مجتمع   مقـالات و آراء
  مقالات اعلانية   صحة وطب   اكتشافات وتكنولوجبا
  فن وادب   رأي دليلك   سياحة وسفر
  زهور واعدة   رياضة   دوري الجولان2010
  زاوية أم محمود   حكاية المثل الشعبي   ريبوتاج دليلك
  زاوية أحبائنا الصغار   من مساهمات الزوار   سياسة