مادة إعلانية

>> دليلك نيوز >> مجتمع

أوروبا وعودة الأبناء "الدواعش" - ومأزق الدمج

بقلم /أمينة خيري     26/11/2017بتاريخ :   المصدر:الحياة
عودة الأبناء «الدواعش» غير المرغوب فيها والعالم في مأزق الدمج

يعود الابن «المجاهد» إلى بلده ليدخل الجميع في نفق مظلم. فلو قُتِل من حيث أتى، فسيبكي عليه الأهل بعض الوقت، ويهنأ الشعب إلى حد ما، وتتنّفس حكومته الصعداء لأنه اختصر عليها طريقاً طويلة. وقد تعتبره الدولة كأنه لم يكن معتمده على ذاكرة شعبية تنوء بما تحمله ولا مجال فيها لمزيد من التذكّر، أو ربما تتخذ من قصته ومساره عبرة تستشف منها الدروس المجتمعية، أو تبني على أساسها نظريات إدماجية مستقبلية، أو ترسم بناء عليها قواعد جديدة للهجرة واللجوء.

مادة إعلانية


لكن طالما بقي على قيد الحياة، وعاد سالماً معافى إلى بلده، فإن الجميع بين نارين: نار التأهيل والدمج، ونار الوصم والإقصاء. لكن هناك في بلدان الغرب قوانين ولوائح تحكم عمليات الإقصاء، حيث لا مجال لها إلا بناء على محاكمات تثبت اتهاماً هنا أو جريمة هناك، وإلا فبرامج التأهيل وإجراءات الدمج في المجتمع. فبين حقوقيين يطالبونها بحق المواطن الشاب أو المراهق العائد الإنساني في العلاج والتأهيل، وقانونيين يذكّرونها بأنه طالما لم يُقدّم إلى محاكمة عادلة فإن مسائل الاعتقال والسجن والحبس غير واردة، ومواطنين عاديين يميل غالبيتهم، لا سيما أولئك من غير المهاجرين، إلى الخوف من تلك العودة والمطالبة بمراجعة لوائح العائدين ومنعهم من الدخول، وحبذا لو مُنع موظفو الجوازات والهجرة من «أتباع المعتقد نفسه» (الإسلام) من العمل في هذا المكان الحساس «حيث يجاملون بعضهم بعضاً على حساب أمن بريطانيا واستقرارها».

لقد استقبلت بريطانيا على مدى الأسابيع القليلة الماضية مئات من أبنائها العائدين من القتال في صفوف تنظيم «داعش»، وذلك ضمن آلاف أخرى عادت إلى بلدانها بعد الضغط على التنظيم في العراق وسورية.

«مركز سوفان البحثي» (مقره نيويورك) أطلق نتيجة دراسة ضخمة قبل أيام أشارت إلى أن ما لا يقل عن 425 شاباً ومراهقاً بريطانياً داعشياً عادوا إلى بلدهم بعد انتهاء دورهم في العراق وسورية. البحث وعنوانه «ماوراء الخلاقة: المحاربون الأجانب وتهديد العائدين» يحذّر من أن عدداً كبيراً من العائدين اختفوا عن عيون الاستخبارات البريطانية، والتي ترفض الإعلان عن أعداد من سجنوا من العائدين لثبوت اتهامات ضدهم، أو أولئك الذين يجرى تقصّي تحركاتهم. يذكر أن أعداد البريطانيين المعروفة الذين سافروا إلى سورية والعراق للالتحاق بـ «داعش» تبلغ نحو 850 مواطناً، منهم مئة امرأة و50 طفلاً.

معدّ التقرير ريتشارد باريت، الذي عمل في الاستخبارات البريطانية وإدارة مجابهة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، يقول إن مواقف العائدين من أيديولوجية «داعش» تتراوح بين أولئك الذين رفضوها بعدما رأوه في ساحات الحرب، أو الواقعين تحت تأثير غسل الأدمغة، أو الذين اضطروا للانسحاب من ساحات المعارك لأسباب شتى. ويضيف أن العائدين بغض النظر عن مواقفهم الأيديولوجية من التنظيم يشكّلون درجة من درجات الخطورة على دولهم العائدين إليها، لا سيما في ظل استحالة تحديد نوعية الخطورة وتقويم درجتها، «لكن تظل المشكلة الأكبر هي كيفية التعامل مع العائدين المعروفين والخاضعين للمراقبة الأمنية».

عقيدة مفعمة بالكراهية
وزير الدولة البريطاني للتنمية الدولية روري ستيوارت أعلن في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي أن «الطريقة الوحيدة للتعامل مع البريطانيين الذين انضموا للقتال في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في سورية في الحالات كلها تقريباً هو قتلهم»، معللاً ذلك باعتناقهم عقيدة «داعش» المفعمة بالكراهية، وتخلّيهم عن الولاء لبريطانيا، إضافة إلى الخطر الكبير الذي يمثلونه على بلدهم لدى عودتهم. وقد علقت الحكومة البريطانية أن هذا التصريح يتسّق مع الموقف المعلن لها. وسبق التصريحين وصف المبعوث الأميركي الأعلى للتحالف الدولي الذي يقاتل «داعش» بريت ماكغورك لمهمته في سورية بإنها ضمان مقتل كل مقاتل أجنبي في التنظيم، إلا أن أغلب الظن أن التعامل الفعلي في بريطانيا لن يقتصر على «القتل».

ومن القتل إلى «إعادة التأهيل» وهو المسار المرجّح الذي سيتبع لمن لم يُقتَلوا من الدواعش البريطانيين. أصوات قليلة لكن مرتفعة ترى أن قرار الاستخبارات بترك مساحة لمن سافروا إلى سورية والعراق لأنهم سذج أو في سن صغيرة ويبحثون عن الإثارة والمغامرة، وعادوا وهم في حالة من الخذلان هو قرار صائب. وحجتهم في ذلك إن أولئك العائدين، لا سيما من الشباب وصغار السن قابلون للتأهيل وإعادة الاندماج في المجتمع.

المجتمع البريطاني استمع قبل أيام لحكايات موظف سابق في البريد الملكي قصها من داخل سجنه لصحيفة «إندبندنت». قال إنه يشعر أن لديه الكثير ليقدّمه لمن هم مقبلون على الانضمام لـ «داعش» ومثيلاتها من مواطني بلاده، وذلك عبر قصته وتجربته منذ انخرط في «التنظيم» داعش عام 2015 وحتى عودته إلى بريطانيا قبل أسابيع. يقول إن تجربته أكدت له أن الانضمام إلى «داعش» لم تكن طريقه المحتملة إلى الجنة، بل طريقه المؤكّدة إلى جهنم.

ومن جهنم داعش إلى «جنة الانتفاعات» في بريطانيا، كما يسميها معارضو احتضان الدواعش البريطانيين العادئين إلى بلدهم. «عملية التقييد» هو اسم المقترح الخاص بإعادة تأهيل العائدين الذين لن يثبت ضلوعهم في قتل أو تجنيد آخرين. أولئك سيوضعون تحت المراقبة، مع توفير بيوت تابعة للمجالس المحلية ومدفوعات نقدية تندرج تحت بند «الانتفاع الاجتماعي» إضافة إلى المساعدة في العثور على عمل.

مارك راولي من وحدة الشرطة البريطانية المتخصصة بمقاومة الإرهاب قال قبل أيام أمام لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان إن غالبية العائدين ستواجه اتهامات بالإرهاب عبر الدوائر القضائية، لكن تظل هناك حالات لا يمكن تجميع قدر كاف من أدلة الضلوع في الإرهاب بحقها. وسيتم التعامل معها بالإحالة على برامج «تفكيك الراديكالية» فضلاً عن قيود توضع على تحركاتهم وتصرفاتهم.

مخاوف متطابقة
التفكير في برامج «تفكيك الراديكالية»، والوضع تحت المراقبة، وإعادة التأهيل والدمج عبر توفير مدفوعات وبيوت ومساعدات نفسية يبدو ضرباً من الرفاهية، فما بالك بتطبيقها. في تونس التي تتصدّر، على رغم قلة تعدادها، لائحة المنضمين الأجانب للقتال ضمن صفوف «داعش» في سورية والعراق، مخاوف متطابقة لمخاوف البريطانيين إزاء عودة أبنائها من الدواعش. لكن تطابق المخاوف لا يعني بالضرورة تطابق حلول المواجهة.

في سلسلة مؤتمر الحمامات التي يعقدها المجلس الثقافي البريطاني سنوياً في هذه المدينة التونسية، تباحث المشاركون طويلاً حول سبل التعامل مع عودة الدواعش. وتحت عنوان «بناء مجتمعات سلمية وشاملة للجميع» بدا المأزق واضحاً تماماً. فالآثار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأيديولويجة العكسية الناجمة عن هبوب رياح الربيع تحجّم جهود التعامل مع العائدين إلى تونس وتعرّقلها.

فالإقصاء من شأنه أن يفاقم من حجم المشكلة، لا سيما أن الوصمة ستلاحق غالبيتهم من قبل المواطنين الذين يحمّلونهم مسؤولية سفك الدماء. في الوقت عينه، فإن الملاحقة القضائية والسجن أيضاً لن يحلا المشكلة الفكرية. وفي خارج السجون، الدولة غير قادرة على تنفيذ برامج إعادة التأهيل والدمج. شقا رحى التعامل مع دواعش تونس العائدين تضع الدولة في مأزق، حيث رأي عام يميل غالبيته إما إلى حبسهم مدى الحياة أو قتلهم في ميادين عامة وضرورة اتباع أسس المجتمعات التي فيها متسع للجميع، ولديها إمكانات إعادة التأهيل والدمج وهي غير متوافرة.

لكن تتوافر تجربة غير تقليدية وغير معتادة من قلب حلب السورية وتحديداً أتاريب. وهي التجربة التي يرى «تشاتام هاوس» أو المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني إنها دراسة حالة. تحييد الدواعش على أيدي ذويهم عبر الاتفاق معهم على تسليم أسلحتهم لأفراد من الجيش السوري الحر، وذلك لدى علم أهل أتارب بقرب تعرّض مدينتهم لهجوم داعشي في عام 2014. وتم استصدار فتوى من أحد المشايخ تحلل قيام أبناء المدينة من الدواعش بتسليم أسلحتهم، وفي المقابل أتفق على حمايتهم على أن يبقوا داخل بيوتهم ولا ينخرطوا في المواجهة المسلحة التي ستدور حتماً مع وصول داعش.

وبين حلول دمج وتأهيل تحتاج الكثير من الإمكانات وتنتهجها بريطانيا، ومأزق بين رأي عام مناهض رافض للعائدين وضرورة احترام المجتمع الذي يتسع للجميع في تونس، وحالة تحييد الدواعش موقتاً في سورية، تدور النقاشات والسجالات في البلدان التي سافر مواطنوها للقتال مع «داعش». حان وقت رجوع من بقي على قيد الحياة، لكن لم يحن إعلان هذه البلدان استعدادها للتعامل مع العائدين، ليس فقط أمنياً، لكن اجتماعياً ونفسياً ومادياً وأيديولوجياً. لائحة الدول طويلة، لكن أبرزها: تونس، السعودية، روسيا، تركيا، الأردن، فرنسا، المغرب، لبنان، مصر، ألمانيا وبريطانيا. إنها عودة الأبناء غير المرغوب فيها.

                                                طباعة الصفحة
 
  أخبار في الجولان   الجولان في الأخبار   بأقلام جولانيه
  تقارير   مجتمع   مقـالات و آراء
  مقالات اعلانية   صحة وطب   اكتشافات وتكنولوجبا
  فن وادب   رأي دليلك   سياحة وسفر
  زهور واعدة   رياضة   دوري الجولان2010
  زاوية أم محمود   حكاية المثل الشعبي   ريبوتاج دليلك
  زاوية أحبائنا الصغار   من مساهمات الزوار   سياسة